|
تحتفل شركة سوناطراك، اليوم، بالذكرى التاسعة والثلاثين لقرار تأمين المحروقات يوم 24 فيفري ,1971 ورئيسها محمد مزيان تحت الرقابة القضائية، رفقة أربعة من المسؤولين الكبار على الشركة، منهم نائبه شوقي رحال، بعد اتهام الجميع بقضايا اختلاس كبيرة مع مكاتب دراسات واستشارات وشركات مختصة في أنظمة الأمن·
وكان مزيان قد بقي في منصبه سنة ,2003 وهي السنة ذاتها التي انفجر فيها سعر البترول واقترب سعر البرميل منه إلى 200 دولار في سابقة لم يشهدها التاريخ من قبل، وتضاعف بذلك رقم حساب الشركة مرات عديدة، وهي التي تستخدم حاليا 125 ألف شخص رقم معاملات سنوي يقدر بـ 80 .8مليار دولار، حسب آخر تقرير مالي منشور ومنسوب للشركة·
وارتفع إنتاجها إلى أن وصل إلى 2,1 مليون برميل في اليوم، ومرشح للارتفاع إلى 2 مليون برميل دون احتساب عائدات الغاز الطبيعي التي تضع الجزائر في مقدمة الدول ذات الدخل من هذا الجانب·
وتبدو تلك الأرقام مغرية، وتؤشر حسب مسؤولي الشركة على العصر الذهبي الذي تعيشه، لكن انفجار فضيحة مدير ومسؤولي الشركة والحديث عن نهب المليارات وما قيل عن استنزاف الاحتياطي البترولي الذي يهدد الجيل القادم ويرشح الجزائر لتتحول إلى مستورد للبترول والغاز، كلها عوامل تؤدي إلى شرعية طرح السؤال: ما الجدوى من الاحتفال بذكرى تأميم المحروقات، وهل بقي لها معنى مع هذه التطورات؟
لكن الظلم أن تحكم على قانون صدر في ظروف خاصة، انطلاقا من الواقع الحالي، وقد مر على اللحظة الأولى 39 سنة كاملة، فقد كان خطاب العقيد هواري بومدين مساء يوم 24 فيفري بدار الشعب بساحة أول ماي تاريخيا وشجاعا بكل مقاييس ذلك السياق التاريخي، فأمام إطارات الاتحاد العام للعمال الجزائريين وبمناسبة ذكرى تأسيس الاتحاد، فاجأ بومدين العالم بهذا القرار الذي جاء بعد مفاوضات بشأن نصوص في اتفاقيات إيفيان لها علاقة بمصالح فرنسا في الجزائر في إطار عبارة التعاون العضوي التي كانت غامضة، وهو القانون الذي فسرته السلطات الفرنسية خدمة للشركات البترولية، وكانت السلطات الفرنسية متيقنة من كسب المعركة مع افتقار الجزائر لأي خبرة في تسيير الشؤون البترولية مما جعلها تدفع إلى انسداد في المفاوضات، قبل أن يأتي القرار في مثل هذا اليوم قبل 39 سنة، وجعل معلق جريدة لوموند الفرنسية يكتب أن الجزائر أصبحت حاملة لواء الدول البترولية التي تريد التحرر من وصاية الشركات الأجنبية منطلقة في سباق لاسترجاع ثرواتها، حيث تمضي في الطليعة الآن للوصول إلى هذا الهدف، وأصبحت بالفعل الجزائر قدوة لدول أخرى أمّمت ثرواتها البترولية بعد ذلك·
وكان يمكن أن يكون قرار تأميم المحروقات بمثابة الاستقلال الثاني للبلاد مثلما روجت وسائل إعلامية رسمية، ومثلما صودر الاستقلال الأول على حد تعبير المناضل الراحل فرحات عباس، بدأ قرار تأميم المحروقات يفرغ من محتواه يوما بعد آخر إلى أن أصبح مع الفضائح الجديدة لمؤسسة سوناطراك بلا معنى تقريبا لدى فئات واسعة من الجزائريين، وقبل قرار التأميم كانت الجزائر تعتمد في صادراتها بنسبة 70 في المائة على المحروقات، ورغم الخطابات الرسمية التي أكدت على التقليص من هذا الاعتماد إلا أنه ومنذ ثمانينات القرن الماضي ارتفعت نسبة المحروقات من الصادرات الجزائرية إلى أكثر من 98 في المائة·
ورغم الكثير من محاولات تجاوز قانون التأميم، مثل تلك التي قام بها رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي سنة ,1991 وهو الذي كان قبلها مديرا لسوناطراك بالتسامح مع بعض الشركات البترولية الأجنبية للعمل إلى جانب سوناطراك وفق دفتر شروط محدد من أجل جلب أكبر قدر ممكن من العملة الصعبة في ذلك السياق التاريخي الذي مرت به البلاد والبترول كانت أسعاره في الحضيض والمديونية الخارجية كانت مرتفعة جدا، ومثل قانون 2005 الذي تم التراجع عنه قبل تطبيقه، فإن قانون التأميم يبقى ساري المفعول، لكنه يحتاج في الوضع الحالي إلى ثورة داخله، تتجاوز نقائصه الذي ظهرت مع السنين وتقضي على نقائصه الكثيرة ومنها النهب المنظم، وقد أصبحت شركة سوناطراك في نظر فئات واسعة من الناس دولة داخل دولة ورمزا للفساد·
|